البطريركية اللاتينية” في عجلون.. قرن من التعليم وبناء الأجيال

أخبار الاردن-نبراس نيوز- بقلم راشد فريحات – تشكل مدرسة البطريركية اللاتينية في محافظة عجلون إحدى المحطات التاريخية البارزة في مسيرة التعليم بالمحافظة، إذ ارتبط اسمها منذ تأسيسها عام 1888 بجهود نشر التعليم وترسيخ القيم الإنسانية والتربوية، وأسهمت على مدى أكثر من قرن في إعداد أجيال من الطلبة الذين واصلوا مسيرتهم في مختلف المجالات، فيما تواصل المدرسة اليوم رسالتها التعليمية مواكبة التطورات الحديثة في أساليب التدريس والتعلم.
وتستحضر المدرسة التي تعد من أقدم المؤسسات التعليمية في عجلون تاريخاً حافلاً بالتجارب والذكريات التي ارتبطت بمسيرة التعليم في المدينة حيث لم يقتصر دورها على تقديم المعرفة داخل الغرف الصفية، بل امتد ليشمل بناء شخصية الطالب، وتعزيز القيم الأخلاقية والوطنية، وترسيخ ثقافة المحبة والتسامح والتعايش واحترام الآخر، بما يعكس دور المؤسسات التعليمية في بناء المجتمعات وتعزيز تماسكها.
وقال كاهن رعية القديس بولس الرسول الأب جوني بحبح إن المدرسة افتتحت عام 1888، وبلغ عدد طلبتها عند التأسيس 23 طالباً، لتبدأ منذ ذلك الوقت مسيرة تعليمية وتربوية امتدت عبر عقود طويلة، استطاعت خلالها مواصلة رسالتها في التعليم وخدمة المجتمع المحلي.
وأضاف أن المدرسة حافظت خلال مسيرتها على نهج تربوي يجمع بين التعليم وغرس القيم الإنسانية والمشاركة المجتمعية مشيراً إلى أن رسالتها لا تقتصر على الجانب الأكاديمي، وإنما تشمل الجوانب الثقافية والروحية والاجتماعية، إلى جانب تعزيز الهوية الوطنية والانتماء لدى الطلبة، وتنمية روح المسؤولية واحترام التنوع والتعاون بين أفراد المجتمع.
وأكد أن استمرار المدرسة في أداء رسالتها التعليمية يعكس أهمية المحافظة على المؤسسات التربوية التي ارتبطت بتاريخ المدن وذاكرتها، وأسهمت في تشكيل ملامح الحياة التعليمية والاجتماعية فيها، لافتاً إلى أن المدرسة تمثل جزءاً من تاريخ عجلون التعليمي وما شهدته المحافظة من تطور في مجال التعليم عبر الأجيال.
و قالت مديرة المدرسة سحر حداد إن المدرسة واصلت على مدى سنوات عملها تخريج أجيال من الطلبة الذين عملوا في تخصصات ومجالات مختلفة، وأسهموا في الحياة العامة والمهنية، مبينة أن عدداً من خريجيها ما يزالون يحرصون على زيارتها واستعادة ذكرياتهم مع معلميهم وزملائهم، لما تمثله من مكانة خاصة في مسيرتهم الشخصية والتعليمية.
وأضافت أن رؤية المدرسة تقوم على بناء شخصية الطالب بصورة متكاملة، بحيث يترافق التحصيل الأكاديمي مع تنمية القيم والسلوكيات الإيجابية، وترسيخ مبادئ المحبة والتسامح والتعايش واحترام الآخر، وتعزيز الانتماء للوطن، إلى جانب اكتشاف ميول الطلبة ومواهبهم والعمل على تطويرها وصقل قدراتهم بما يساعدهم على مواصلة التعلم والإبداع. وأوضحت حداد أن المدرسة تحرص على توفير بيئة تعليمية تشجع الطلبة على المشاركة والتفاعل وتنمية مهارات التفكير والتواصل والعمل الجماعي، من خلال برامج وأنشطة متنوعة تستجيب لاهتماماتهم وتدعم قدراتهم العلمية والثقافية والفنية.
وبينت أن المدرسة تشارك طلبتها في الأنشطة والمسابقات الثقافية والدينية والفنية والتعليمية، مشيرة إلى تحقيقهم نتائج متقدمة في مسابقات اللغة الإنجليزية والكتاب المقدس والعزف الموسيقي، إلى جانب تنظيم المحاضرات والدورات والفعاليات الهادفة إلى تعزيز معارفهم وتطوير مهاراتهم وبناء شخصياتهم.
وأكدت أن الأنشطة اللامنهجية تشكل جانباً مهماً من العملية التربوية، لما توفره من فرص لاكتشاف المواهب وتنمية الثقة بالنفس وتشجيع الطلبة على المبادرة والمشاركة الإيجابية، فضلاً عن إتاحة المجال أمامهم للتعبير عن قدراتهم واهتماماتهم في مجالات متعددة.
وفيما يتعلق بتطوير العملية التعليمية، أشارت حداد إلى أن المدرسة شهدت تحديثاً في الوسائل والتجهيزات التعليمية، من خلال إدخال التقنيات الحديثة إلى الغرف الصفية وتزويدها بالشاشات واللوحات الذكية التفاعلية، إضافة إلى تجهيز مختبر للحاسوب يضم 20 جهازاً، وتنفيذ دورات تدريبية للمعلمات في التعامل مع المناهج والتقنيات الحديثة، بما يعزز قدرتهن على توظيف الأدوات الرقمية في التدريس ومواكبة المستجدات التربوية.
وأضافت أن مواكبة التطورات التعليمية تتطلب الاستمرار في تطوير مهارات الكوادر التدريسية وتحديث أساليب التعليم، بما يوفر للطلبة فرصاً أفضل للتعلم والتفاعل، ويسهم في تحسين جودة العملية التعليمية والاستفادة من الإمكانات التي تتيحها التقنيات الحديثة.
من جانبه، قال مؤسس مبادرة «حكاية مكان»، يوسف الصمادي، إن مدرسة البطريركية اللاتينية تمثل جزءاً مهماً من الذاكرة التعليمية والثقافية في عجلون، لما تحمله من تاريخ يمتد لأكثر من قرن، وما ارتبط بها من أجيال وتجارب إنسانية وتعليمية أسهمت في تشكيل جانب من هوية المجتمع المحلي.
وأضاف أن قيمة المدارس التاريخية لا تقتصر على تاريخ تأسيسها أو استمرارها في تقديم التعليم، بل تشمل ما تحتفظ به من ذكريات الطلبة والمعلمين، وما ارتبط بها من صور ووثائق وروايات تعكس طبيعة الحياة التعليمية والاجتماعية في المراحل المختلفة.
وأشار الصمادي إلى أن توثيق تاريخ المدرسة من خلال جمع الصور القديمة والوثائق المدرسية، وتسجيل روايات الخريجين والمعلمين والعاملين فيها، يشكل خطوة مهمة في حفظ الذاكرة التعليمية للمحافظة، وإبراز التحولات التي شهدها قطاع التعليم عبر الأجيال.
وأكد أهمية إشراك الطلبة والخريجين وأبناء المجتمع المحلي في مبادرات توثيق تاريخ المؤسسات التعليمية القديمة، بما يعزز ارتباط الأجيال الجديدة بتاريخ مدينتهم، ويعرفهم بالجهود التي بذلتها المؤسسات التربوية في نشر التعليم وبناء الإنسان، ويحفظ قصص الشخصيات والتجارب التي أسهمت في مسيرة عجلون التعليمية.
وتبقى مدرسة البطريركية اللاتينية في عجلون، بما تحمله من إرث تعليمي واجتماعي، شاهداً على مراحل مهمة من تاريخ التعليم في المحافظة، ونموذجاً لاستمرار المؤسسات التربوية في الجمع بين المحافظة على رسالتها التاريخية والتطوير المستمر لمناهجها ووسائلها التعليمية، بما يلبي احتياجات الطلبة ويسهم في إعداد أجيال قادرة على المشاركة في بناء المستقبل.
الرأي



