حقول أثرية تكشف عن حضارات ما قبل التاريخ في وادي الزرقاء

أخبار الاردن-نبراس نيوز-تكشف دراسات أثرية وميدانية في وادي الزرقاء عن انتشار لافت لمئات المباني الحجرية الصندوقية، المعروفة باسم “الدولمنز”، والتي يرجع تاريخها إلى آلاف السنين، لتقدم شواهد مادية على عمق الاستيطان البشري وتطور الممارسات الجنائزية والعقائدية في المنطقة منذ عصور ما قبل التاريخ والعصر البرونزي.
وقال أستاذ الآثار في الجامعة الهاشمية الدكتور محمد وهيب إن أعمال المسح والدراسة الميدانية التي ينفذها فريق مشروع المسارات السياحية والتراثية في وادي الزرقاء أظهرت وجود حقول أثرية واسعة تضم أعدادا كبيرة من هذه المنشآت الحجرية، التي تشكل ظاهرة حضارية لافتة على مستوى الأردن والمنطقة.
وبين وهيب، أن الأردن يضم أكثر من 13 حقلا أثريا من هذه المنشآت، تحتوي آلاف القبور والبنى الحجرية الصندوقية، مشيرا إلى أن حقل الروضة وحده يضم أكثر من 500 مبنى حجري، إلى جانب حقول أخرى في دير علا ووادي الزرقاء، ما يجعل من المنطقة واحدة من أبرز التجمعات الأثرية لهذا النمط المعماري.
وأوضح أن هذه المنشآت، التي تعرف عالمياً باسم “دولمنز”، ارتبطت في الذاكرة الشعبية المحلية بتسميات متعددة، من بينها “بيوت الجن” و”بيوت الغول” و”الطاولات الحجرية”، في انعكاس لما أثارته هذه الأبنية العملاقة من دهشة وغموض لدى سكان المنطقة عبر أجيال متعاقبة.
وأضاف، إن الدراسات ترجح ارتباط جانب مهم من هذه المنشآت بممارسات الدفن والطقوس والمعتقدات السائدة لدى المجتمعات القديمة، لافتا إلى أن انتشارها لا يمكن فصله عن منظومة الاستيطان الزراعي التي نشأت في وادي الزرقاء ومحيطه خلال الألف الثالث قبل الميلاد.
وأشار وهيب إلى أن هذه الحقول الأثرية ترتبط بسلسلة من المستوطنات والقرى الزراعية القديمة، من أبرزها خربة البتراوي والسخنة وخربة جبل أرحيل، وصولا إلى حقول خريسان، ما يعكس شبكة استيطانية متكاملة تكشف عن مجتمعات امتلكت قدرا متقدما من التنظيم والقدرات الهندسية والعمرانية.
ولفت إلى أن وادي الزرقاء لا يختزل أهميته في آثار العصر البرونزي وحدها، إذ كشفت الدراسات الأثرية عن أدوات تعود إلى نحو مليونين ونصف مليون عام، الأمر الذي يضع الوادي ضمن المواقع التي تحمل تسلسلا زمنياً استثنائيا لتاريخ الوجود البشري وتطور المجتمعات على امتداد عصور متعاقبة.
وقال وهيب: “في سياق الدراسات الحديثة، يعمل فريق مشروع المسارات السياحية والتراثية على قراءة العلاقة بين حقول “الدولمنز” والمشهد السماوي ضمن منهج علم الآثار الفلكي، من خلال دراسة المؤشرات المحتملة التي تربط بعض المنشآت باتجاهات السماء والنجوم والأجرام السماوية، بما يفتح مجالا جديدا لفهم التصورات الكونية والطقوس التي سادت لدى المجتمعات القديمة في المنطقة.
وفي مقارنة أثرية وسياحية، يبرز موقع “ستونهنج” البريطاني بوصفه نموذجا عالميا لاستثمار المنشآت الحجرية القديمة وربطها بالسرديات التاريخية والأسطورية والمسارات السياحية، في وقت يمتلك فيه الأردن حقولا واسعة من “الدولمنز” في وادي الزرقاء والمفرق ومادبا والأغوار، تتميز بتنوعها وانتشارها وامتدادها الجغرافي.
ويرى الفريق البحثي أن هذه الثروة الأثرية تمثل مقوما مهما لتطوير السياحة الثقافية والبيئية في المملكة، خاصة مع إمكانية دمج المواقع ضمن مسارات متخصصة تتيح للزائر التعرف إلى تاريخ الاستيطان البشري والهندسة الحجرية والطقوس الجنائزية والمعتقدات القديمة التي نشأت في المنطقة.
كما يعمل الفريق، بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار، على توثيق ورسم مسار وطني لـ “الدولمنز” يربط حقول وادي الزرقاء بنظيراتها في مختلف محافظات المملكة، بما يسهم في إبراز هذا الموروث الأثري وإدماجه في المنتج السياحي الوطني، ويفتح المجال أمام مشاريع استثمارية وسياحية يمكن أن تعزز الحركة السياحية والتنمية المحلية في محافظة الزرقاء.
وأشار وهيب إلى أن هذه المنشآت الحجرية، التي ظلت شاخصة في المشهد الأردني آلاف السنين، تمثل فرصة لإعادة قراءة تاريخ وادي الزرقاء بوصفه فضاء متصلا للحياة البشرية والاستقرار والزراعة والمعتقدات، ومسارا حضاريا يمتد من أقدم آثار الوجود البشري إلى المجتمعات الزراعية الأولى التي تركت بصماتها في حجارة الوادي وسفوحه.
بترا



