مقالات

هيئة المُحلَّفين: حين تصبح العدالة مسؤولية مجتمعيّة

أخبار الاردن-نبراس نيوز- كتب المحامي أحمد الحياصات..
منذ عام ٢٠١٩ عندما بدأت دراستي حول الدستور البريطاني في جامعتي لفتني وسرق انظاري الأسلوب البريطاني (Jury Trial – هيئة المحلّفين) في التقاضي جدا، ما دفعني الى بدء الدراسة الموسّعة حول أصول وحيثيّات “هيئة المحلّفين” كان بحثي به عظيما استغرق قرابة ٧ سنوات من الدراسة والمطالعة حوله ، حيث بدأت البحث الشخصي منذ عام ٢٠١٩ واخر معلومة قرأتها قبل أيام معدودة عام ٢٠٢٦.
ألخّص لكم بحثي حول هيئة المحلّفين بما سأرفقه بالقدر الممكن من الاختصار.
لم تنشأ فكرة إشراك المجتمع في العدالة بوصفها ابتكارًا حديثًا، بل هي امتدادٌ لفلسفة قديمة ترى أن تقدير الوقائع لا يكتمل بعين القانون وحدها. ففي الحضارة الفينيقية، التي تقوم مدنها–الدول على التجارة والاستقرار الاجتماعي، وُضِع الأساس الفلسفي لهذا التصور؛ إذ عرفت عدالة تشاورية عرفية، كانت فيها القضايا والنزاعات المهمة تُعرض على مجالس من الأعيان والتجّار وأصحاب الخبرة والنزاهة، فيُقدَّر الواقع وفق العرف والمصلحة العامة والوجدان الإنساني ، بعيدًا عن القرار الفردي المنعزل. لم يكن هناك قضاء مُقنّن بالمعنى الحديث، لكن كان هناك وعيٌ مبكر بأن العدالة تُبنى جماعيًا وكانت هذه الحضارة وما زالت هي الأذكى بمكافحة الجريمة بحيث حوّلت العدالة بعين المجتمع من جهازا مستقل يتبع له الجميع، الى مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع.
ومع تطور المجتمعات، جاءت أثينا القديمة لتمنح هذا المبدأ شكلًا أوسع، حيث شارك المواطنون مباشرة في محاكم الشعب، فكان الفصل في الوقائع فعلًا جماعيًا يعكس الإرادة العامة. ثم طوّرت روما الجمهورية هذا التصور بإطار أكثر تنظيمًا، فميّزت بين دور القاضي في تحديد القاعدة القانونية، ودور هيئات من المواطنين في تقدير الوقائع، في خطوة متقدمة نحو توزيع وظائف العدالة.

وانتقلت هذه الفكرة لاحقًا عبر المجتمعات الجرمانية التي اعتمدت المجالس الشعبية للفصل في النزاعات، قبل أن تتبلور أخيرًا في إنجلترا في العصور الوسطى، وتحديدًا في القرن الثاني عشر في عهد الملك هنري الثاني، حيث تحوّلت المشاركة المجتمعية في فهم الوقائع إلى نظام مُقنّن عُرف لاحقًا بهيئة المُحلَّفين، واستقر في الأنظمة الأنجلوساكسونية الحديثة.

من هنا، لا يمكن النظر إلى هيئة المُحلَّفين باعتبارها انتقاصًا من القضاء أو استبدالًا له، بل بوصفها إحدى صور التوازن بين القانون والواقع. فالقاضي يبقى صاحب الكلمة القانونية النهائية، بينما تُسهم المشاركة المجتمعية في تقريب العدالة من حياة الناس، وتعزيز الثقة العامة، وتقليص الفجوة بين النص القانوني وإحساس الإنصاف.
العدالة لا تولد في القاعات المغلقة وحدها، ولا تنضج في الساحات المفتوحة بلا ضابط. هي ثمرة تلاقٍ دقيق بين عقلٍ يعرف النص، وضميرٍ يقرأ الواقع. وكلما اقترب القانون من الناس دون أن يفقد اتزانه، تحوّل الحكم من قرارٍ يُنفَّذ إلى قناعةٍ تُحترم، هذا النظام هو الأسمى في مكافحة الجريمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى