لماذا يُحذر بابا الفاتيكان من الذكاء الاصطناعي؟

اخبار الاردن-نبراس نيوز-البابا ليو الرابع عشر يرى أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يخدم الإنسان لا أن يركز السلطة والثروة في أيدي عدد محدود من الشركات
النقاش الذي يطرحه البابا يتجاوز التكنولوجيا ليصل إلى أسئلة فلسفية وأخلاقية حول قيمة الإنسان وحدود التطور
البابا ليو يحذر من أن الخوارزميات ليست محايدة بالكامل، وقد تعكس تحيزات مصمميها وتؤثر في الإبداع والحكم الشخصي
يجد كثيرون، حتى بعض الكاثوليك، صعوبةً في تقبّل عقيدة عصمة البابا. لكن الرسائل البابوية – وهي المقالات اللاهوتية التي يصدرها البابا لإرشاد الأساقفة “في علاقاتهم مع رعاياهم” – تُعدّ مؤشرات شبه دقيقة على مدى الثقة الاجتماعية والاقتصادية، ولا ينبغي تجاهلها.
مجرد اختيار البابا ليو الرابع عشر نشر مقالٍ من أربعين ألف كلمة هذا الأسبوع، يُجادل فيه بأن الذكاء الاصطناعي يجب أن “يخدم الإنسانية، لا أن يُركّز السلطة”، يُظهر أن هذه القضية قد أصبحت ذات أهمية متزايدة في المجتمع، ويُشير إلى نقطة تحوّل وشيكة.
لا تُعرف الكنيسة الكاثوليكية بقدرتها على التكيّف، ولكن عندما تُحاول الإصلاح، يكون توقيتها مُلفتاً للنظر. يُعدّ مجمع الفاتيكان الثاني مثالاً رائعاً على ذلك. فقد دعا إليه البابا يوحنا الثالث والعشرون عام 1959، في فترة اتسمت بالاستقرار والازدهار، لكنه مثّل بداية مرحلة من التغييرات العميقة والمتسارعة.
تزامن انعقاد دورته الأولى، التي بدأت في أكتوبر 1962، مع أزمة الصواريخ الكوبية. أما الثانية، فانطلقت في خضمّ هوس البيتلز، واضطرّت للتوقف بسبب اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي. وبحلول نهاية الدورة عام 1965، في عهد البابا بولس السادس، كانت حقبة الستينيات الثورية قد بدأت بالفعل. ويبدو أن يوحنا الثالث والعشرين كان قد استشعر مبكراً هذا التحول الكبير قبل وقوعه.
تسعى الكنيسة إلى اتباع إرشاد الروح القدس. قد يكون توقيتها مدفوعاً بأولويات إله عليم بكل شيء. لكن ليس من الضروري اللجوء إلى التفسير الغيبي. فرغم كل عيوبها، حافظت الكنيسة على مكانتها ودورها من خلال كونها مؤشراً فريداً وقوياً لقياس الرأي العام. يعمل الكهنة كوسطاء في مختلف المجتمعات، ويكتسبون فهماً عميقاً لرعاياهم ومجتمعاتهم، ثم ينقلون هذه الآراء إلى تسلسل هرمي ينتهي عند البابا.
أما الرسائل البابوية، باعتبارها خلاصة هذه العملية، فهي تعكس استجابة لأبرز اهتمامات المجتمع. ومن هنا ينبغي للجميع الانتباه إلى رسالة ليو “Magnifica Humanitas” (حول حماية الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي).
بإيحاء رمزي متعمد، صدرت هذه الرسالة البابوية في الذكرى السنوية لرسالة البابا لاوون الثالث عشر عام 1891 “Rerum Novarum” (حول العمل ورأس المال)، والتي تناولت “روح التغيير الثوري” التي أثارها العصر الذهبي للازدهار الصناعي، واقترحت إعادة التوازن لصالح العمال، كما مهدت لظهور حركات العمال المنظمة.
يشير بيتر أتوتر، وهو اقتصادي في جامعة “ويليام آند ماري” يدرس تأثير المزاج الاجتماعي على الأسواق والاقتصاد، إلى أطروحة لطالبته فرانشيسكا بيريرا التي تُظهر أن “الرسائل البابوية البارزة غالباً ما تتزامن مع فترات ازدهار وانخفاض الثقة العالمية”. وتصدر هذه الرسائل عندما تكون نسبة مؤشر داو جونز الصناعي (الذي يرتفع عندما يكون الناس متفائلين) إلى الذهب (الذي يُختار في أوقات التشاؤم) عند أو قرب مستويات قياسية من الارتفاع أو الانخفاض.
وتقول بيريرا: “بينما تعكس نسبة داو جونز إلى الذهب التشاؤم والتفاؤل في الأسواق، فإن الرسائل البابوية تُمثل الاستجابة الأخلاقية للمزاج العام”. وقد جاءت تسع من أبرز الرسائل البابوية منذ عام 1925 في لحظات اتسمت بقدر كبير من عدم اليقين أو الثقة المرتفعة.
وهكذا، شددت رسالة “كاستي كونوبي” (حول الزواج المسيحي) عام 1930 على معارضتها لجميع أشكال تحديد النسل ومبادئ تحسين النسل، في وقتٍ كانت فيه الثقة العالية تتلاشى تدريجياً لتتحول إلى كساد عالمي. وكررت رسالة “Humanae Vitae” (حول تنظيم النسل) عام 1968 الرسالة نفسها في خضم الثورة الجنسية (وفي ذروة ازدهار السوق). كانت الكنيسة قد خسرت هذا النقاش في المجتمع، لكنها كانت بحاجة إلى تسجيل معارضتها.
وفي رسالة “Caritas in Veritate” الصادرة في يونيو 2009، ناشد البابا بنديكت السادس عشر التمسك بالحقيقة الموضوعية في أحلك لحظات الركود الاقتصادي الكبير، حين كانت نظريات المؤامرة تنتشر كالنار في الهشيم. أما رسالة البابا فرنسيس “Fratelli Tutti” عام 2020 فدعت إلى الأخوّة والتسامح مع المهاجرين في أكثر لحظات جائحة كورونا قتامة.
وجاءت رسالة “Fides et Ratio” للبابا يوحنا بولس الثاني، التي تدعو إلى معرفة الذات، في أواخر عام 1998، بالتزامن مع انهيار موجة التفاؤل بنهاية التاريخ التي سادت في التسعينيات.
لا يُغيّر الباباوات المزاج العام، ولا حتى العقيدة. لكنهم يُغيّرون نبرتهم لمعالجة قضايا اللحظة. وقد وجدت بيريرا أنهم “بدلاً من أن يكونوا أداةً للتغيير داخل الكنيسة، فإنّ تقلبات الثقة غالباً ما تُحفّز قادة الكنيسة على التمسك بمواقفهم بشأن التعاليم العقائدية الأساسية”. ومن خلال كتابته، يُرسل البابا إشارةً واضحةً بأنّ المزاج العام في المجتمع بلغ درجة من التطرف تستدعي رداً.
ينبغي النظر إلى رسالة “Magnifica Humanitas” في سياقٍ يُحتفى فيه بلويجي مانجيوني، الذي تواصلت محاكمته الأسبوع الماضي بتهمة قتل الرئيس التنفيذي لشركة “يونايتد هيلث كير” (United Healthcare)، وفي مناخ يُستنكر فيه أيّ ذكرٍ للذكاء الاصطناعي في حفلات تخرّج طلاب الجامعات المرموقة، إلى جانب تراجع شعبية الشركات الكبرى، حتى في الولايات المتحدة، إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق. ليس من المستغرب، إذن، أن يشعر البابا بأنه مضطر للتعليق.
يمتلك ليو موقفين رئيسيين من الذكاء الاصطناعي: الأول يتعلق بطريقة تشغيله غير الخاضعة للمساءلة، والثاني بتأثير هذه التكنولوجيا على الأفراد وإحساسهم بالهوية. وتعكس هاتان القضيّتان مخاوف واسعة الانتشار في المجتمع.
وتضع حججه الكنيسة في صراع مباشر مع الليبرتاريين في وادي السيليكون. هاجم بيان “المتفائل بالتكنولوجيا”، وهو بيان لاذع كتبه المستثمر الرأسمالي النافذ مارك أندريسن، أي محاولة حكومية لإبطاء تطور الذكاء الاصطناعي.
وقد جادل قائلاً: “الذكاء الاصطناعي هو خيمياؤنا، حجر الفلاسفة لدينا – فنحن حرفياً نجعل الرمل يفكر. نعتقد أن أفضل طريقة لفهم الذكاء الاصطناعي هي اعتباره حلاً شاملاً للمشاكل. ولدينا الكثير من المشاكل التي تحتاج إلى حل”. وأضاف “نعتقد أن الذكاء الاصطناعي قادر على إنقاذ الأرواح – إذا سمحنا له بذلك. إبطاء الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى خسائر في الأرواح.. فالوفيات التي من الممكن تجنبها بفضل الذكاء الاصطناعي الذي يتم حظره هي شكل من أشكال القتل”.
يعارض البابا ليو الفكرة معللاً أن التطور التكنولوجي غير المنضبط قد يؤدي إلى “زيادة في الوسائل دون نمو في الإنسانية: أي امتلاك المزيد من الوسائل دون أن نكون أكثر إنسانية”. وبدلاً من قبول الذكاء الاصطناعي كحجر الفلاسفة، يجادل قائلاً: “التكنولوجيا ليست مجرد أداة. فعندما تصبح المعيار الذي يُقاس به كل شيء، تبدأ في تحديد ما هو مهم وما يمكن الاستغناء عنه، مُختزلةً الإبداع إلى مجرد سلعة للاستغلال، والبشر إلى مجرد تروس في نظام يسعى باستمرار نحو مزيد من الكفاءة”.
ويحذر البابا ليو أيضاً من تركز السلطة في أيدي عدد قليل من شركات الذكاء الاصطناعي المهيمنة. فنهج الحكومات المتساهل في تنظيم بدايات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وموقفها المتساهل تجاه قوانين مكافحة الاحتكار، أدى إلى نشوء عدد قليل من الشركات القادرة على “تحديد شروط الوصول” و”صياغة إمكانيات المشاركة”.
ويرى ليو أن هذه السلطة المركزة: تميل إلى أن تصبح مبهمة وتفلت من الرقابة العامة، ما يزيد من خطر ظهور أشكال مشوهة من التنمية تُفضي إلى تبعيات جديدة، وإقصاءات، وتلاعبات، وعدم مساواة.
يأتي تدخل البابا في وقته المناسب، إذ إن خطط الاكتتاب العام هذه السنة لشركات “سبيس إكس” المالكة لـ”إكس إيه آي” (xAI)، و”أوبن إيه آي” مطورة “تشات جي بي تي”، و”أنثروبيك” (Anthropic) التي تتحكم في روبوت الدردشة “كلاود” (Claude)، ستجعل حتى المساهمين في هذه الشركات عاجزين عن ضبط مسار الشركات أو توجيهها.
يقول البابا، مستفيداً من أخطاء وسائل التواصل الاجتماعي، إن على المجتمع تقييم “ما إذا كانت قوة البنى التحتية الرقمية والخوارزميات تعزز المشاركة والمسؤولية حقاً، وتحمي الفئات الضعيفة، وتضمن تكافؤ الفرص، وتبقى موجهة نحو المصلحة العامة”. فشلت منصات مثل “فيسبوك” و”تويتر” في تحقيق هذه المعايير، ويرغب ليو، كغيره، في حماية الفئات الضعيفة من روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
يعبّر البابا ليو عن قلقه الكبير من تأثير الذكاء الاصطناعي على ما يسميه “عظمة الإنسانية”. فاليوم يتعامل كثيرون مع روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي كما لو كانت أشخاصاً حقيقيين، رغم أن هذه الأنظمة “لا تخوض تجارب، ولا تمتلك جسداً، ولا تشعر بالفرح أو الألم، ولا تنضج من خلال العلاقات، ولا تُدرك معنى الحب أو العمل أو الصداقة أو المسؤولية. كما أنها تفتقر إلى الضمير الأخلاقي”.
يقول البابا ليو إن الذكاء الاصطناعي ليس محايداً أخلاقياً، ولا يمكن اعتبار استخدامه مسألة تقنية بحتة، رغم أنه يُقدَّم على أنه موضوعي ويُحاكي التواصل البشري. ويحذر من أنه قد يُضعف الإبداع والحكم الشخصي، ويُوهم بوجود علاقة مع شخص حقيقي. كما أنه يُنذر بخطر أن تتحول نصائحه التي تبدو محايدة وموضوعية لتُصبح في نهاية المطاف انعكاساً وتعزيزاً للصورة النمطية أو التحيز الأيديولوجي لمصمميها.
في طرحه لهذه الحجج، يردّ ليو على بعض القصص المروعة التي ظهرت بالفعل، حول كيف يمكن لبرامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تعزز ما يرغب المستخدم في سماعه لدرجة أنها تدفع المراهقين إلى الانتحار.
كما يواصل البابا نقاشاً أخلاقياً قديماً بين الكنيسة وأتباع الفيلسوف إيمانويل كانط، الذي اعتبر مبدأً قاطعاً يدور حول أن الإنسان لا ينبغي أبداً معاملته كوسيلة لتحقيق غاية، في مواجهة مذهب النفعية الذي يقوم على فكرة تحقيق أكبر منفعة لأكبر عدد من الناس، بدلاً من الاهتمام بكل فرد على حدة.
يقول في إعادة صياغة كلاسيكية لحجة كانط ضد النفعيين: “إذا عُومل الإنسان كشيء يُراد تحسينه أو تجاوزه، يصبح من الأسهل قبول أن بعض الأرواح أقل فائدة، أو أقل رغبة، أو أقل قيمة”. ويحذر من أنه باسم التقدم: قد تُبرر “التضحيات الضرورية”، بحيث يُلقى العبء على الفئات الأكثر ضعفاً سعياً وراء ما يُقدَّم بوصفه تحسيناً شاملاً للجنس البشري.
ليس من الضروري أن تكون كاثوليكياً، أو حتى مُؤمناً بالله، لتجد هذه الحجة مقنعة إلى حد كبير. أما بالنسبة للبابا، فهناك حجج ليبرتالية ونفعية ضد ما يقوله، بينما يشكو بعض الكاثوليك من أنه بدعوته إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي بدلاً من حظره، لم يذهب بعيداً بما فيه الكفاية.
لكن عبر طرحه لهذا الموقف في هذا التوقيت، يُعبر البابا عن قلق بات واسع الانتشار في المجتمع، وهو يقوم بدوره كقائد ديني عبر دفع النقاش الأخلاقي إلى الأمام. وهذا النقاش يحتاج الآن أن يشتد ويتصاعد.
إقتصاد الشرق
Bloomberg Media



