د. عبدالله سرور الزعبي يكتب : ما بين اقرأ واكتب… حوار على حافة ضياع الوعي

أخبار الاردن-نبراس نيوز- كتب د. عبدالله سرور الزعبي- في إحدى أمسيات عمّان الطويلة، حيث تبدو المدينة وكأنها تُخفي تعبها خلف أضواء المقاهي وضجيج الشوارع وأحاديث الناس المتعبة، دار بيني وبين صديق قديم نقاش استمر لساعات. لم يكن حديثًا عابرًا عن السياسة أو الاقتصاد أو كرة القدم، بل سؤالًا أعمق من ذلك كله، هل المجتمع يقرأ أكثر مما يكتب؟ أو في غالبيته، لا يقرأ ولا يكتب؟ ولماذا كانت القراءة دائمًا بوابة المعرفة، بينما أصبحت الكتابة الأداة التي تحفظ الأفكار وتمنحها القدرة على البقاء والتأثير؟ وهل تحوّل مجتمعنا إلى مجتمع يستهلك الأفكار بدل أن يصنعها؟
الإشاعات، وللتأثير في الرأي العام، فكيف نطلب من الناس الثقة بالمثقف والكاتب أو بالمؤسسات التقليدية؟ وأضاف، أليس هذا شهادة على أن عصر السطحية، قد انتصر رسميًا على عصر الفكرة؟ ثم صمت، وكأنه يوجّه اتهامًا ثقيلًا للمؤسسات التعليمية والقيادات التربوية، التي أخفقت في تأهيل جيل كامل.
أجبته بهدوء، نحن نعيش زمنًا أصبح فيه المؤثر أسرع وصولًا من الكاتب، والفيديو القصير أكثر إغراءً من الكتاب. فنحن لا نُجهَّز جيلًا لعصر المعرفة، بل لعصر الاستهلاك. يتم إعداد أجيال لا تحتاج إلى القراءة أو الكتابة النقدية، بل يكفيها أن تتابع مؤثرًا على الهاتف، أو تحفظ جملة من فيديو قصير. فكل عصر كان يملك أدواته؛ الورق هزم الجلود، والتلفاز هزم المذياع، والإنترنت هزم المكتبات، لكن الأفكار العظيمة لم تمت، لأنها أعمق من أن يقتلها ترند عابر. المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في الإنسان الذي استسلم لها دون أن يحاول ترويضها. ولم يعد المطلوب إنسانًا يفكر طويلًا، بل إنسانًا يتفاعل سريعًا. ولهذا لم تعد المدرسة تُخرّج قارئًا حقيقيًا أو كاتبًا، بل مستهلكًا للمحتوى.
وهذا، يعني أن أدوات التأثير تغيّرت أسرع من قدرة المؤسسات على فهم المجتمع. وأضفت، أن المشكلة ليست في استخدام المؤثرين، بل في فقدان الخطاب الرسمي لقدرته على الإقناع. فالناس لا تهرب من الحقيقة، بل من اللغة الباردة والمكررة والأرقام المنفصلة عن واقعها اليومي.
وحين يعجز الخطاب الرسمي عن تفسير، لماذا تتعمّق أزمات التعليم وتزداد البطالة، والمديونية، عندها تجد أن المجتمع، لا يسمع لمن يقول له إن الأمور بخير بينما الواقع يزداد صعوبة، ولم يعد يقتنع بالوعود أو بالشعارات الكبيرة دون نتائج ملموسة. ولهذا حين يغيب الخطاب الصادق والعميق، يدخل المؤثر ليملأ الفراغ، فالطبيعة لا تحتمل الفراغ.
وهذا أخطر مما يبدو. لأن الدولة حين تخسر المثقف الحقيقي، وتخسر ثقة المواطن بالمعلم والخبير والأكاديمي، تصبح أكثر اعتمادًا على التأثير اللحظي، كبديل عن بناء الوعي الطويل. فالمؤثر قد ينجح في تحسين صورة قرار ليوم أو أسبوع، لكن جميعهم، لا يستطيعون أن يبنوا مشروعًا وطنيًا، أو يعالجوا أزمة تعليم، أو يخلقوا اقتصادًا منتجًا، أو يمنحوا الشباب معنى حقيقيًا للمستقبل.
ثم قلت، وأنا أنظر إلى الشارع الممتلئ بالشباب والهواتف المضيئة، الخطر الحقيقي ليس أن يقرأ الناس عبر الشاشة، بل أن يتوقفوا عن التفكير. فالحضارات لا تنهار حين تتغير الوسائل، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج العقل النقدي.
وأضفت أن المشكلة ليست في الشباب، بل في المدرسة التي لم تعلّمهم، والجامعة التي أهملت مهارات التفكير، والنخب التي انسحبت من المجتمع، والمثقف الذي ترك الساحة فارغة ثم اشتكى من صعود بعض التفاهة.
ومع ذلك، ما زلت أؤمن أن الأفكار العميقة لا تموت. فالترند مؤقت، أما الفكرة الحقيقية فتمشي ببطء لكنها تعيش طويلًا. المجتمعات لا تنهض بالفيديو القصير، بل بالتعليم الحقيقي، والثقة، والعدالة، ووجود شخصيات تقنع الناس بصدقها وكفاءتها لا بشهرتها فقط. وحين تستعيد المؤسسات قدرتها على قول الحقيقة كما هي، بلغة يحترمها الناس، عندها لن تحتاج إلى مطاردة الترند كي تثبت وجودها.
قبل أن ينتهي الحوار، نظر صديقي إلى الشارع الممتلئ بالشباب وقال، المشكلة ليست أن أبناءنا لا يقرأون ولا يكتبون، بل أنهم قد يصلون إلى مرحلة لا يشعرون فيها أصلًا بالحاجة إلى القراءة أو الكتابة.
كانت تلك أخطر جملة سمعتها خلال سنوات. فالحضارات لا تنهار حين تتغير الوسائل، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج العقل النقدي. والأمم لا تسقط فقط حين تجوع اقتصاديًا، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج المعنى.
فالأردن اليوم يقف أمام مفترق ثقافي خطير؛ إما أن يتحول إلى مجتمع يستهلك الأفكار القادمة عبر الفيديوهات، والمنصات، وإما أن يستعيد قيمة الكتاب واللغة والكتابة والتفكير النقدي والإبداعي.
فالجيل الذي لا يكتب، يفقد قدرته على التفكير المركب، والجيل الذي لا يقرأ إلا عبر الترند يصبح أكثر هشاشة أمام التضليل والشعبوية والتطرف. ومع ذلك يبقى الأمل قائمًا، لأن الأردن الذي أنجب معلمين ومفكرين وشعراء كبارًا قادر على استعادة ثقافة السؤال والإبداع، وهو الأمر الذي يدعو إليه الملك.
وفي نهاية الحوار قلت لصديقي، تذكر أن أول آية كانت ﴿اقرأ﴾، لكن الحضارة الإنسانية لم تبدأ فعلًا إلا حين كتب الإنسان ما قرأه وأورثه للأجيال. فالقراءة تُنير العقل، أما الكتابة فهي التي تمنح تلك الإضاءة فرصة البقاء.
مركز عبر المتوسط للدراسات الإستراتيجية
الغد



