مقالات

د. عبير الرحباني تكتب : الإرث والميراث المسيحي: حقّ ثابت لا يُنتزع بالتفسير أو التأويل

أخبار الاردن-نبراس نيوز- كتبت د.عبير الرحباني- في كل مرة يُطرح فيها الحديث عن قانون الإرث والميراث للمسيحيين.. يخرج البعض وكأنهم يخشون من مجرد الإعتراف بحق المسيحي أن يعيش وفق إيمانه وكتابه المقدس.. فيُصوَّر الأمر وكأنه إنفصال عن الوطن أو تمرد على الشراكة الوطنية..

وهنا تكمن المغالطة الكبرى..
فالمؤلم أن بعض المسيحيين الذين خرجوا بفيديوهاا ومنشورات لهم عبر مواقع التواصل.. يحاولون خلط الإيمان بالخوف.. والوطنية بالتنازل عن الحقوق.. وكأن المسيحي لكي يثبت محبته لوطنه عليه أن يتخلى عن حقه في أن يُحاكم وفق إيمانه وكتابه المقدس.. بينما الحقيقة الروحية الأعمق تقول: إن الله الذي خلق التنوع.. لم يخلق الإنسان ليذوب قسرا.. بل ليعيش حقيقته بحرية ومحبة واحترام متبادل.. كما أن السيد المسيح علّمنا أن الحق لا يُقاس بعدد الأصوات المرتفعة.. بل بثباته أمام الخوف والضغط والتشويش..

فالعدالة ليست خطرا.. والمساواة ليست تهديدا.. وإحترام خصوصية كل مؤمن في شريعته ليس انقساما عن الوطن.. بل ارتقاءٌ أخلاقي وروحي يحفظ كرامة الجميع..

والمثير للإنتباه أن بعض الأصوات المسيحية التي خرجت فجأة لتقديم نفسها وكأنها (صوت المسيحيين الرافض).. بدت وكأنها تؤدي دورا يتجاوز القناعة الشخصية.. في محاولة لإيصال رسائل سياسية واجتماعية مبطنة أكثر من كونها نقاشا قانونيا حقيقيا..

فحين يتحول الخطاب إلى تخويف وتحريض عاطفي بدلا من الحوار الهادئ.. يصبح من حق الناس أن تتساءل: من المستفيد من إبقاء المسيحي محروما من حقه الطبيعي في الإحتكام إلى عقيدته؟!

فنحن كمسيحيين لم نكن يوما غرباء عن هذا الوطن.. ولم تكن خصوصيتنا الدينية يوما تهديدا لأحد.. نحن أبناء هذه الأرض.. نحمل ذات الهوية الوطنية.. ونقف إلى جانب إخوتنا المسلمين في كل المحطات الوطنية والإنسانية.. لكن الشراكة الحقيقية لا تعني الذوبان الكامل.. بل تعني إحترام خصوصية كل مكوّن ديني كما كفلها الدستور والقانون.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا !! إذا كان البعض من المسيحيين يرفض أن يكون للمسيحيين قانونهم الخاص في الإرث والميراث بحجة البقاء تحت الشريعة الإسلامية.. فلماذا لا يطالبون أيضا بأن تخضع كل قضايا الزواج والطلاق والنفقة والحضانة وسائر الأحوال الشخصية للمسيحيين للشريعة الإسلامية كذلك؟

لماذا يتم الاعتراض فقط عندما يصل الأمر إلى مبدأ المساواة والعدالة في الإرث والميراث !!؟

والملاحظ أن موجة الفيديوهات والمنشورات التي خرج بها بعض المسيحيين في هذا التوقيت لم تكن سوى محاولة لتكريس رسالة واحدة بشكل غير مباشر وهي : (هناك مسيحيون معارضون لقانون الإرث والميراث المسيحي).. وكأن المطلوب صناعة رأي عام يوحي بأن المسيحي نفسه يرفض حقه الطبيعي في الإحتكام إلى شريعته وخصوصيته الدينية..

لكن الحقيقة أن الحقوق لا تُقاس بعدد الأصوات المرتفعة.. بل بعدالة المبدأ واحترام حرية الإنسان وعقيدته..

فالقانون المسيحي في جوهره يستند إلى مبدأ الكرامة الإنسانية والمساواة بين الرجل والمرأة.. وهي قيم متجذرة في رسالة المحبة والعدل التي دعا إليها السيد المسيح.. والمطالبة بحق المسيحيين في تنظيم شؤونهم وفق معتقدهم ليست عداءً لأحد.. ولا انتقاصا من الشريعة الإسلامية.. بل هي إحترام للتعددية التي تميز وطننا..
أما التخويف والحديث العاطفي الذي يحاول بعض المسيحيين تصوير الأمر وكأنه فتنة بين المسلمين والمسيحيين.. فهو خطاب لا يخدم إلا الجهل والخوف..

فالمواطنة لا تُقاس بطريقة تقسيم الإرث.. بل بالانتماء والاحترام المتبادل والعدالة التي يشعر بها الجميع..

فليست كل المعارك تُخاض بالسلاح.. فبعض المعارك تُخاض على هوية الإنسان.. وعلى حقه بأن يعيش إيمانه بحرية وكرامة.. وعندما يبدأ الإنسان بالتخلي عن حقه الروحي والقانوني خوفا من الضجيج أو الاتهامات أو الرسائل المبطنة.. فإنه لا يخسر قانونا فقط.. بل يخسر جزءا من صوته وخصوصيته التي منحها الله له..

نهاية حديثي.. لا تخفينا تلك الرسائل التي يحاول بعض المسيحيين تمريرها عبر فيديوهات ومنشورات تحمل أصواتا مسيحية معارضة لقانون الإرث والميراث المسيحي.. وكأن المطلوب إثارة الخوف من إنفصال المسيحي عن الشريعة الإسلامية في هذا الجانب القانوني..

فالهويات والإيمان لا تتغير بقانون.. والعقائد لا تهتز بتنظيم الحقوق..

فالمسيحي سيبقى مسيحيا متمسكا بإيمانه.. والمسلم سيبقى مسلما متمسكا بدينه.. وستبقى المحبة والشراكة الوطنية الحقيقية قائمة على الاحترام لا على إلغاء خصوصية الآخر..

فما يجمعنا أكبر من أي جدل قانوني.. ما يجمعنا وطن واحد.. وكرامة واحدة.. ومستقبل واحد.. أما الحقوق الدينية.. فلا تُمنح بمنطق الخوف.. بل تُصان بمنطق العدالة والحرية واحترام الإنسان..

عمون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى