صورة وخبر

من ذاكرة المفرق … الإعلامي المتميز الأستاذ غازي حنا حداد ” أبو قصي”

أخبار الاردن-نبراس نيوز- كتب أ.د ياسر طالب الخزاعله- حين يُستدعى الإعلام بوصفه فعلاً وطنياً لا مهنة عابرة، وحين تُقاس الكلمة بوزنها الأخلاقي لا بمدى ضجيجها، ينهض من ذاكرة المكان اسم الأستاذ الإعلامي غازي حنا عطيوي حداد، «أبو قصي»، لا بوصفه صوتاً مرّ في الأثير ثم انطفأ، بل باعتباره ركناً من أركان الوعي الإعلامي الوطني، وشاهداً مهنياً نزيهاً على مرحلة كاملة من تاريخ الإعلام الأردني، يوم كان المراسل عين الدولة على أطرافها، ولسان المجتمع في همومه، وجسر الحقيقة بين الميدان والمؤسسة. لقد شكّل حضوره، مراسلاً للتلفزيون الأردني ومندوباً للإذاعة الأردنية في محافظة المفرق، في ثمانينيات وتسعينيات وبدايات الألفية الثالثة، نموذجاً للإعلامي الذي يحمل المكان في صوته، ويصون الحقيقة في كلمته، ويؤدي رسالته بوقار الجندي وإخلاص المثقف، حتى لحظة تقاعده.

لم يكن الإعلام عند أبي قصي وظيفةً تُؤدّى، بل رسالة تُصان، ولم يكن الميكروفون في يده أداةً للظهور، بل أمانة ثقيلة الوزن، يدرك أن ما يُقال اليوم قد يتحول غداً إلى وثيقة، وأن الخبر الذي يُبثّ على عجل قد يصنع وعياً أو يضلله. ومن هنا جاءت علاقته باللغة علاقة سيادة لا استخدام، إذ امتلك ناصية العربية امتلاك العارف بأسرارها، فكانت عبارته متينة السبك، عالية النبرة، واضحة الدلالة، لا تزلّ بها القواعد ولا تُثقِلها الزوائد. لغته لم تكن متكلّفة ولا مترهلة، بل جزلة رصينة، تُشبه رجالات الإعلام في زمن كانت فيه الفصحى هيبة، وكانت الكلمة مسؤولية لا تُستسهل.

وقد اكتسبت لغته قوتها لا من البلاغة وحدها، بل من ثقافة عامة واسعة، جعلته قادراً على مقاربة الشأن العام من زواياه المختلفة. كان مطّلعاً على السياسة دون أن يكون أسيرها، وعلى المجتمع دون أن يُسطّحه، وعلى الثقافة دون أن يتعالى بها، وعلى الاقتصاد دون أن يُفرغه من إنسانيته. وحين كان ينقل الخبر من المفرق، لم يكن ينقله بوصفه حدثاً محلياً هامشياً، بل باعتباره جزءاً من نسيج الوطن، له دلالاته الاجتماعية والوطنية، وله امتداده في القرار العام. وهنا تتجلّى قيمة المراسل الحقيقي، الذي لا يختزل الأطراف في الهامش، ولا يُفرغ المكان من صوته.

وفي زمن لم تكن فيه وسائل الاتصال ميسّرة، ولا المعلومة متاحة بضغطة زر، كان أبو قصي مثالاً في التحري والدقة، يعرف مصادره جيداً، ويميز بين المعلومة والرأي، وبين الخبر والإشاعة. لم يكن يستسهل النشر، ولا ينجرف وراء الإثارة، بل كان يُخضع كل ما يرد إليه لميزان العقل والضمير، مدركاً أن المصداقية رأس مال الإعلامي، وأن فقدانها خسارة لا تُعوّض. ولذلك ظل اسمه مقترناً بالثقة، لا لأنه كان يرضي الجميع، بل لأنه كان صادقاً مع نفسه ومع جمهوره.

وكمندوب للإذاعة الأردنية ومراسل للتلفزيون الأردني، كان يحمل عبئاً مضاعفاً؛ فهو في الميدان شاهد، وفي الاستوديو ممثل، وفي النقل أمين. كان يدرك أن صوته القادم من المفرق يصل إلى بيوت الأردنيين كافة، وأن كل مفردة ينطق بها تسهم في رسم صورة المكان والناس. فكان حريصاً على أن تكون الصورة عادلة، وأن يكون الصوت صادقاً، وأن تبقى المفرق حاضرة بكرامتها وتاريخها وإنسانها، لا كخبر عابر، بل كجزء أصيل من الجسد الوطني.

أما شخصيته المهنية، فكانت عنواناً للاحتراف والاتزان. لم يكن متحيزاً، ولا متقلباً مع الريح، ولا أسير موقف آني. كان موضوعياً بقدر ما تسمح به الحقيقة، وشفافاً بقدر ما تقتضيه الأخلاق. وإذا أخطأ ــ والخطأ وارد في العمل الإنساني ــ كان شجاعاً في الاعتراف، سريعاً في التصحيح، مؤمناً أن النزاهة لا تعني العصمة، بل الصدق في مواجهة الخطأ. وكان يحترم الخصوصية، ويتجنب التشهير، ويبتعد عن الشائعات، ملتزماً بأخلاقيات المهنة التزاماً نابعاً من القناعة لا من الخوف.

وفي حضوره الإذاعي والمرئي، تميّز بكاريزما هادئة، لا صاخبة، وبثقة بالنفس لا تعرف الغرور. كان صوته متزناً، مريحاً، يحمل دفء المكان وخبرة السنين، وكانت إدارته للحوار قائمة على الذكاء العاطفي، والإنصات الحقيقي، واحترام الرأي الآخر. وإذا واجه موقفاً طارئاً أو خللاً فنياً، تعامل معه برباطة جأش، وسرعة بديهة، دون أن يشعر المتلقي بشيء من الارتباك. وهنا يظهر الفارق بين من يتعلم الإعلام شكلاً، ومن يتقنه روحاً وتجربة.

ومع تطور الزمن، ودخول التكنولوجيا الحديثة، لم يكن منغلقاً ولا متقاعساً، بل تعامل معها بوعي، مستفيداً من أدواتها، دون أن يسمح لها أن تطغى على جوهر الرسالة. ظل يؤمن أن التقنية مهما تطورت لا تعوّض ضعف المحتوى، وأن الإعلامي يُقاس بعقله قبل معدّاته، وبأخلاقه قبل شاشته. ولذلك بقي أداؤه متوازناً، لا يلهث خلف الحداثة، ولا يتقوقع خارج الزمن.

غير أن المسار المهني، مهما بلغ من رسوخ، لا يعصم الإنسان من امتحانات القدر. فجاءت الفاجعة الكبرى برحيل نجله الطبيب الشاب قصي غازي حداد، في الخامس من / سيبتمبر عام 2020، فكان الألم بحجم الفقد، والجرح بعمق الأبوة. رحل الابن في عز عطائه، تاركاً في قلب والده فراغاً لا يملؤه شيء، وحزناً مقيماً لا يحتاج إلى إعلان. كان ذلك الحدث فاصلاً في حياة أبي قصي، لا لأنه غيّره ظاهراً، بل لأنه عمّق إنسانيته، وأثقل صمته، وجعل صوته ــ إن عاد ــ مشبعاً بتجربة الفقد، وبحكمة الألم الناضج.

لم يجعل من حزنه مادة للخطاب، ولم يستثمر وجعه في الظهور، بل حمله بصمت الكبار، واستمر في احترام رسالته، وكأن الوفاء للمعنى هو شكل من أشكال الوفاء للابن الراحل. وهنا يكتمل المشهد الإنساني للإعلامي، الذي لا ينفصل فيه الخاص عن العام، ولا تُلغِي فيه المأساةُ القيمَ، بل تزيدها رسوخاً.
إن الحديث عن الأستاذ غازي حنا عطيوي حداد، «أبو قصي»، هو حديث عن جيل إعلامي كامل، تشكّل في زمن الصرامة المهنية، واستمر في زمن التحولات، وبقي ثابتاً على جوهر الكلمة. هو مراسل حمل الميدان بصدق، ومندوب نقل الصوت بأمانة، وإعلامي وطني حافظ على توازن المعنى، وترك في الذاكرة أثراً لا تصنعه الصدفة ولا يمحوه الزمن.

سيبقى اسمه محفوراً في سجل الإعلام الأردني، لا لأنه كان الأعلى صوتاً، بل لأنه كان الأصدق أداءً، والأعمق أثراً، والأكثر وفاءً للمهنة والوطن والإنسان.

للأستاذ الإعلامي القدير غازي حداد خالص المحبة والتقدير والاحترام…..وأطال الله بعمره.

الكاتب مؤرخ وكاتب سير أ.د ياسر طالب الخزاعله.
١ فبراير ٢٠٢٦م.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى